ابو البركات

253

الكتاب المعتبر في الحكمة

أو يذوده عنه ولغيره من الحيوان جعل فيهما من السلاح كالمخلب الذي يتخذ الانسان بصناعته ما ينوب منا به ويزيد عليه كالسيف والسكين إلى غير ذلك من القرون والأنياب والحوافر وجعلت دعائم هذه الأطراف اعني اليدين والرجلين من العظام القوية الصلبة المدمجة ليقوى بها على ما أريدت لأجله من الحمل والنقل والجذب والدفع وكسيت العظام بلحم وجلد أيضا وشكلت بالاشكال الموافقة لما يراد بها واختلفت في الحيوانات بالحوافر والأظلاف والتقعير والتقبيب والاستطالة والتدوير والأكف والأصابع والجلد عام لجميعه يدرك بحس اللمس وباقي الحواس جمعت لما هي فيه في عضو واحد هو الرأس وجعل له حامل شاخص من البدن هو الرقبة يعلو بها كالديدبان المطلع على ما يتطلع اليه من بعد وخاصة العينان فان الرأس فيما له رأس من الحيوان انما خلق لأجلهما فإنهما المدركتان من بعد ويليهما الاذنان لسماع الأصوات ثم الانف للشم ثم اللسان للذوق وانما جمعت الحواس في الرأس مع العينين لان الروح الصالح لها متشابه المزاج متقاربة ويعين بعضها بعضا فالشم قبل الذوق وكالرائد له حتى يشعر الحيوان بموافقة ما يرعاه ومباينته قبل ان يرعاه من بعد تطعمه والسمع للعين حتى يسعى إلى ابصار ما يسمع صوته فإنه قد يسبق البصر في أكثر الأوقات والنفس المتطلعة إلى الحواس لا تتوزع في تطلعها إلى جهات مختلفة والروح الصالحة لذلك هي الآلة الأولى للاحساس تخلص صفوتها وخلاصتها إلى الرأس وتنقسم على الحواس وخص كل صنف منها بصنف من الادراكات لصنف من المدركات وكل قسم منها بآلة مخصوصة فالروح الباصر إلى العينين والسامع إلى الاذنين والشام إلى الانف والذائق إلى اللسان واللامس إلى باقي الأعضاء وجعلت العينان فيما لا رأس له على زائدتين شاخصتين كما للسرطان وفي بعضه جاحظتين من الرأس صلبتين كاعين الجراد وفي بعضه في ثقبتين كالروزنتين كما للانسان وما يشاركه من الحيوان وجعل فيهما الروح الباصرة موقى بالعينين كالزجاجتين في الروزنتين ينفذ البصر في شفيفهما ولا تنحل الروح من خللهما وكذلك جعل له في